أبو الليث السمرقندي
457
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
شدة ومرض وموت الأهلين ، إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني : إلا بإرادة اللّه تعالى وبعلمه . وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يعني : يصدق باللّه على المصيبة ، ويعلم أنها من اللّه تعالى ، يَهْدِ قَلْبَهُ يعني : إذا ابتلي صبر ، وإذا أنعم عليه شكر ، وإذا ظلم غفر . وروي ، عن علقة بن قيس : أن رجلا قرأ عنده هذه الآية ، فقال : أتدرون ما تفسيرها ؟ وهو أن الرجل المسلم ، يصاب بالمصيبة في نفسه وماله ، يعلم أنها من عند اللّه تعالى ، فيسلم ويرضى . ويقال : مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ للاسترجاع يعني : يوفقه اللّه تعالى لذلك . وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي : عالم بثواب من صبر على المصيبة . ثم قال عز وجل : وَأَطِيعُوا اللَّهَ يعني : أطيعوا اللّه في الفرائض ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ في السنن . ويقال : أطيعوا اللّه في الرضا بما يقضي عليكم من المصيبة ، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الصبر وترك الجزع . فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ يعني : أبيتم وأعرضتم عن طاعة اللّه وطاعة رسوله . فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي : ليس عليه أكثر من التبليغ ثم وحّد نفسه ، فقال عز وجل : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يعني : لا ضار ، ولا نافع ، ولا كاشف إلّا هو . وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يعني : على المؤمنين أن يتوكلوا على اللّه ، ويفوضوا أمرهم إليه . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ، حين يمنعونكم الهجرة ، فَاحْذَرُوهُمْ أن تطيعوهم في ترك الهجرة . روى سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن قوما أسلموا بمكة ، فأرادوا أن يخرجوا إلى المدينة ، فمنعهم أزواجهم وأولادهم . فلما قدموا على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، رأوا الناس قد فقهوا في الدين ، فأرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم ، فنزل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ . وَإِنْ تَعْفُوا يعني : تتركوا عقابهم ، وَتَصْفَحُوا يعني : وتتجاوزوا ، وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لذنوب المؤمنين رَحِيمٌ بهم . ثم قال : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ يعني : الذين بمكة بلية لا يقدر الرجل على الهجرة . روي ، عن عبد اللّه بن بريدة ، عن أبيه قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يخطبنا ، فأقبل الحسن والحسين يمشيان ويعثران . فلما رآهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، نزل إليهما وأخذهما واحدا من هذا الجانب ، وواحدا من هذا الجانب . ثم صعد المنبر ، فقال : « صدق اللّه إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ . لمّا رأيت هذين الغلامين ، لم أصبر أن قطعت كلامي ، ونزلت إليهما » . ثم أتم الخطبة . ثم قال : وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ أي : ثواب عظيم ، لمن آمن ولمن لم يعص اللّه تعالى لأجل الأموال والأولاد وأحسن إليهم .